القدس والسلطنة العثمانية

1 725

يظن، الواهمون أن القدس الشريف محتلة منذ عام 1948، في نصفها الغربي ثم إنها محتلة بالكامل من قبل الصهاينة في عام 1967، وهذا مجرد وهم لأن القدس محتلة مغتصبة، وهي تمثل ما تمثله من معنى، وقداسة، ووطنية، منذ نهاية العصر العباسي الذهبي وحتى هذه الساعة!

وذلك لأنها انتقلت من يد غازٍ إلى يد غاز آخر، وقد انتهكت حرماتها، وقتل أهلها وشردوا، وديست مقدساتها ودور عبادتها، وخربت على مرأى من خلق الله أجمعين، ولم تصدر عن العرب والمسلمين سوى الزفرات والآهات، والرجاءات، والأماني التي لم تصر واقعاً

لقد احتلت القدس من: الآشوريين، والبابليين، والفرس، واليونان، والرومان، والسلاجقة، والإخشيد، والفاطميين، والفرنجة، والعثمانيين، والإنكليز، واليهود !

والمدد الزمنية لهذه الاحتلالات مخيفة ومغيظة  بحق، فقد ظلت القدس تحت احتلال الفرس 300 سنة، وتحت احتلال الإغريق 150 سنة، وتحت الاحتلال الروماني 300 سنة، وتحت حكم الفرنجة 100 سنة، وتحت احتلال العثمانيين 400 سنة!

إن هذه المدد الزمنية المخيفة تسأل بألم وحرقة: أين أمة العرب.

ولأن زمن احتلال القدس، وزمن التفريط بها وزمن اللامبالاة التي قوبلت بها .. طويل، وطويل جداً، فإنني سأبدأ حديثي عن القدس واحتلالها، وعن القدس وأحزانها، وعن القدس وضياع معانيها المقدسة، ومعانيها الوطنية، ومعانيها العروبية بما تشتمل عليه من البعدين الجذرين: البعد المسيحي، والبعد الإسلامي ! .. سأبدأ من زمن العثمانيين الذي بدأ مع استهلالات القرن السادس عشر (1517)، ومن فاصلة زمنية أراها شديدة الأهمية، ومن وثيقة محبرة في كتاب الفرنسي إدوارد درو مونت وعنوانه (فرنسا اليهودية) الصادر عام 1886، تقول الوثيقة إن يهود فرنسا أرسلوا رسالة موقعة من كهانهم وأحبارهم ووجهائهم إلى مجمع السنهدرين وهو أعلى سلطة كهنوتية يهودية في القسطنطينية، المدينة التي اجتمع فيها عدد كبير من اليهود وصل تعدادهم في عام 1480 إلى 35% من سكان المدينة طُراً  قالوا في الرسالة، وبينوا، وشرحوا، واشتكوا مما يعيشونه ويعايشونه في فرنسا، خصوصاً بعد أن قرر الملك الفرنسي لويس الثاني طردهم من فرنسا، لأن رسالتهم طويلة، وطويلة جداً، وفيها تفاصيل كثيرة، جاءت على صورة شكايات، فإنني أتخطاها إلى الرد عليها من قبل مجمع السنهدرين اليهودي في القسطنطينية، وفي الرد أجوبة عن كل تلك الشكايات، كما أن في هذا الرد الاستراتيجية  التي اتبعها، ويتبعها، وسيتبعها اليهود في كل مساراتهم السياسية، والاجتماعيةِ، والثقافيةِ، والاقتصاديةِ، والدينية، ..وفي كل الأزمنة التاريخية، يقول الرد:

إخوتي الأحباء في موسى،

تلقينا رسالتكم التي تخبروننا فيها عن النكبات والضغوط التي تتعرضون إليها . لقد أصابنا الحزن والاستياء من أجلكم، ولكن بعد تداول الأمر، رأى كبار الحاخامات والمختصين بتشريعنا .. ما يلي:

أولاً: تقولون إن ملك فرنسا يريد إرغامكم على التحول إلى المسيحية، فافعلوا ذلك لأنكم لا تستطيعون فعل شيء آخر، ولكن حافظوا على شريعة موسى دائماً في قلوبكم.

ثانياً: تقولون إنهم يريدون سلبكم أموالكم، فعلموا أولادكم التجارة وفنونها، وبهذا تتمكنون شيئاً فشيئاً من سلبهم أملاكهم وأموالهم.

ثالثاً: تشتكون من أنهم يهددون حياتكم، فاجعلوا من أبنائكم أطباء وصيادلة، ليعملوا على قتلهم دون أن يخشوا العقاب.

رابعاً: تؤكدون بأنهم يهدمون معابدكم، فاعملوا على أن يصبح أبناؤكم قساوسة ورهباناً، يدخلون سلك الكهنوت المسيحي  لكي يعملوا على هدم كنائسهم من الداخل .

خامساً: تقولون إنكم تتحملون الكثير من المضايقات والمتاعب في التعاملات والإدارة، فعليكم أن تجعلوا من أولادكم محامين وكتاباً للعدل، ومسؤولين عن المصالح العامة، والشؤون الإدارية، وبهذا تسيطرون على المسيحيين، وتأخذون أراضيهم، وتثأرون منهم، وتستولون على مناصبهم ومواقعهم فتتحكمون بمسار الحياة العامة لديكم .

لا تتهاونوا أيها الأحباء في موسى، في تنفيذ هذا الأمر الذي نعطيكم إياه لأنكم ترون بالتجربة، وأنتم اليوم أذلاء، سوف ترتفع مكانتكم وقدرتكم عالياً !

التوقيع أمير اليهود في القسطنطينية.

بدأت بهذه الوثيقة التي يعود تاريخها إلى قبل 500 سنة من يومنا هذا لأقول: تلك الصورة هي حال اليهود في ضعفهم، أي أنهم يتمسكنون كثيراً من أجل التمكن كثيراً، فكيف وهم يمتلكون في هذه الآونة: القوة العسكرية، والدعم الغربي، والأمريكي، وينالون كل هذا التعاطف المستهجن من كل دول العالم الرسمية تقريباً ؟!

ولأقول أيضاً أن مكنة الكيان الصهيوني في فلسطين العزيزة وقوته فيها لا تعود إلى الزمن الإنكليزي الحاضن لليهود والذي يؤرخ له بـ وعد بلفور 1917، وإنما يعود إلى عصور سابقة بعيدة الغور في دلالاتها ومعانيها ، وسأقصر حديثي هنا على فترة الأربعمائة سنة التي احتلت فيها السلطنة العثمانية بلادنا العربية ومنها فلسطين والقدس، وذلك عبر النقاط الآتية:

أولاً: خدعنا جميعاً حين راح بعض المؤرخين العرب يكتبون عن الزمن العثماني في بلادنا، وكأنه زمن يخصنا، أو أنه زمن من صنعنا،وهذا مجرد هراء بخس، وقد سموا هذا الزمن بالعهد العثماني تارة، وبالفتح العثماني تارة أخرى، وبعضهم قال الفترة العثمانية وهذا كله تزييف لوصف وحيد لذلك الزمن العثماني هو أنه زمن الاحتلال!

القدس ظلت محتلة من العثمانيين، شأنها شأن المدن العربية طراً، أربعمائة سنة، ولو أراد العثمانيون للقدس خيراً، أو لو أنهم قابلوها بالعاطفة التي ادعوها فبنوا مسجداً واحداً فيها كل سنة لكان فيها اليوم أربعمائة مسجد تعود للزمن العثماني، ولو أنهم شقوا الطرق فيها، واختطوا الحدائق، وبنوا المشافي والمدارس والأبنية واستحدثوا الأحياء والشوارع خلال ذلك الزمن الطويل المُر لكانت القدس بحقٍّ زهرةَ المدائن في الدنيا كلها !

لكن العثمانيين لم يفعلوا شيئاً من هذا، لأنهم ــــ وببساطة شديدة ــــ محتلون !  ما فعلوه هو أنهم بنوا الزوايا والتكايا للمشردين الذين جاؤوا إلى القدس من كل أصقاع الدنيا، وأنهم وزعوا عليهم طعام (الشوربة) مساء وفي كل ليلة، وفي عرض واستعراض وزمر وتطبيل تتعالىفيه كلمات الشكر والثناء للسلطان ابن السلطان!

والحق أننا لا نريد من المحتل، وقد صار قدراً علينا، أن يبني أو أن يطور أو أن يحدث .. إطلاقاً ما أردناه ، وأراده الناس / الشعب هو أن تظل الهوية هي الهوية، والوطنية هي الوطنية، والعقيدة هي العقيدة، لا أن يفعل العثماني الأفاعيل المشينات التي صارت أساساً لهذه الكينونة الصهيونية في القدس، وعموم فلسطين، قبل أن تستشيط العاطفةُ الإنكليزيةُ بالغليان فتعطي الحكومةُالبريطانيةُ وعدَ بلفور عام 1917 لليهود اعترافاً منها لهم بالوطن القومي اليهودي في فلسطين،وكفلها بإقامته! وكأن فلسطين بلا شعب، بلا ثقافة، بلا عمران، بلا تاريخ !

ثانياً: العثمانيون، ومنذ عام 1469، أي بعد خروج اليهود من البرتغال، ومنذ عام 1492، أي بعد سقوط غرناطة وخروج اليهود مع العرب منها .. كانت القسطنطينية، وأزمير، وأنطاكيا، وأورفة، وغازي عنتاب، وسالونيك، أمكنة وجود لليهود، فأخذوا، وعبر قرارات سلطانية،امتيازاً لهم كلَّ حقوق المواطنين الأتراك عندما أوهموا السلطنة العثمانية بأنهم دخلوا في الإسلام، وصاروا جماعات (الدونمة) التي لعبت لعبتها في مقادير السلطنة العثمانية !

ثالثاً: سليمان القانوني وابنه سليم، وبتعاطف مع عشيقته اليهودية روكسلانه، التي غدت زوجته فيما بعد، هما (أعني السلطان وابنه) من أدخل اليهود إلى القدس وهما من سمحا للهجرات اليهودية المتتالية بالتوجه نحو فلسطين (صفد / طبريا / عكا) عموماً، وإلى القدس خاصة .. ليس نفاذاً من الأراضي العثمانية فحسب، وإنما من البلاد الأوروبية والروسية أيضاً.

رابعاً: فاتني القول إنه، وقبل الاحتلال العثماني لفلسطين عموماً، والقدس خاصةً، لم يكن لليهود أي تواجد جماهيري، في مدينة أو قرية محددة أو معينة،بل لم يكن في فلسطين كلها قرية أو مدينة أو مستوطنة لها اسم عبري يدلل على عقيدة سكانها وهويتهم اليهودية .

خامساً: أصدر السلطان عبد المجيد فرماناً سمح بموجبه للثري اليهودي الإنكليزي حاييم منتيفوري الذي جاء إلى فلسطين سنة 1836 بشراء أراضي في غربي القدس سنة 1854، هذه الأراضي التي ستكون أساساً للحي اليهودي في القدس الغربية، وسوف لن تقتصر الأمور على بناء البيوت في ذلك الحي، وإنما اتسعت لتشمل بناء الأسواق، والحدائق، والملاعب، ودور العبادة، ودور اللهو، والساحات العامة.

سادساً: أهدى السلطان العثماني عبد العزيز (1861 / 1876) أراضي لليهود مجاورة للقدس لبناء سلسلة من المدارس الزراعية، وسلسلة من المزارع، ومثلها حظائر للحيوانات .. وهذه كانت رأس الجسر الذي مده اليهود لكي يشتروا الأراضي المجاورة وبأسعار زهيدة جداً لأن الأهالي رأوا وأحسوا بتلك الحظوة التي نالوها من السلطنة العثمانية، وبذلك صارت القدس محاطة بالحضور اليهودي بشرياً واقتصادياً وثقافياً ودينياً، وبذلك باتت قوة اليهود في القدس مجموعة قوى منها الزراعية والصناعية والنفوذ الديني أيضاً.

وبالمناسبة لابد من القول إن المشروع الصهيوني قام، أول ما قام، على فكرة الاستيطان الزراعي، والإمساك بالأرض، والاستحواذ على المحاصيل الزراعية، ومن بعد الاستحواذ على الفلاحين وهم النسبة العظمى من السكان! وقد بدأ هذا المشروع الاستيطاني اليهودي أولاً ليس في فلسطين، وإنما بدأ في سورية، وفي جنوبها تحديداً، أعني في منطقة حوران، وفي قريتي سحم الجولان وجلين تعييناً، وفي ريف دمشق في المناطق المتاخمة للجولان، في بعض قراها المعروفة، لكن هذا المشروع، الذي كانت غايته السيطرة على محاصيل القمع القاسي في سورية، لم ينجح .

سابعاً: وفي زمن السلطان العثماني عبد العزيز أيضاً، زار ولي عهد بروسيا / ألمانيا، فريدريك القدس .. فأهداه السلطان عبد العزيز بقعة من أرضي القدس بنيت عليها كنيسة المخلّص، كما بني عليها مستشفى، وبعض العمارات الملحقة بها . وفي زمن هذا السلطان عبد العزيز أيضاً منحت الحكومة التركية اليهود قطعة أرض كبيرة في مدينة يافا من أجل بناء مستوطنة زراعية  شبيهة بالمستوطنة المحيطة بالقدس، والتي ستكون الأساس في نشوء الحي اليهودي في يافا، والذي سيسمى بتل أبيب أو تل الربيع، وقد وهبت هذه القطعة الكبيرة، وحسب الفرمان السلطاني، لأطفال (الملة الموسوية) سنة 1870 .

ثامناً: منح السلطان عبد الحميد الثاني (1876 / 1909) الأمبراطور الألماني غليوم الذي زار القدس سنة 1898، قطعة أرض كبيرة تقع على جبل صهيون هدية لقدومه السعيد، فبنى الألمان عليها كنيسة كاثوليكية عام 1910، وهي الكنيسة المعروفة بـ (نياحة العذراء) . أشير إلى هذا لأن معظم كتابات المؤرخين العرب مدحت السلطان العثماني عبد الحميد الثاني مديحاً لا يستحقه، فقالوا بأنه لم يفرط بأرض القدس، ولا حتى بأرض فلسطين، وقد اعتبر أراضيها كلها أوقافاً إسلامية لكن التاريخ الحقيقي لأفعال هذا السلطان (عبد الحميد الثاني) وممارساته تؤكد بأنه لم يدع فكرة أو جهداً أو اقترحاً إلا وقام عليه من أجل أن يساعد اليهود ليحققوا غايتهم التي كانوا ينادون بها، وهي القائلة بأن فلسطين هي (أرض الميعاد)، وقولي هذا يستند إلى مذكرات هرتزل التي لم يستطع العرب أفراداً وجماعات، ودولاً ومراكز بحث، ومؤسسات ترجمة وثقافة، وجهات استخبارية .. أن يترجموا هذه المذكرات المحتشدة بالأسرار، والتي تفضح الأدوار القذرة التي لعبها سلاطين الدولة العثمانية من أجل مساعدة اليهود على تحقيق ما نادوا به، وسعوا إليه: أعني (فلسطين أرض الميعاد)، ورحم الله الدكتور أنيس الصايغ الذي أشرف على ترجمة حوالي 500 صفحة من مذكرات هرتزل من مجموع صفحات تقدر بستة آلاف صفحة مطبوعة في عشرة مجلدات ما تزال تنتظر فرسان الترجمة العرب، وفرسان المال العرب أيضاً الذين يشترون بيوت اللهو والسلوى والرذيلة في بلاد الغرب، ويمولون مشافي القردة والكلاب والحشرات والبهائم في حدائق الحيوان الغربية !

أعود إلى هذا السلطان العثماني (عبد الحميد الثاني) ومن خلال مذكرات هرتزل، وهي بالمناسبة يوميات، وليست مذكرات .. لأقول: لقد زار هرتزل السلطان عبد الحميد الثاني مرات عدة، مرات بجهود شخصية، ومرات بوساطة من قياصرة روسيا، ومن أهل الحكم والنفوذ في ألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا .. وفي كل مرة كان هرتزل يطالب السلطان بفلسطين، ويعرض عليه بالمقابل المال الذي يريده ! وكان السلطان عبد الحميد الثاني يروغ عن فلسطين، ويحبب لهرتزل مناطق أخرى يستطيع أن يعطيها له ولشعبه اليهودي من دون أن تقوم قيامة المسلمين عليه (كما كان يقول)! لكن هرتزل كان يربط رغبته بفلسطين بالتوراة والتاريخ والعقيدة اليهودية، لذلك اقترح السلطان عبد الحميد الثاني عليه أن يعطيه بابل، أي العراق، فهي مرتبطة بالتوراة، والتاريخ، والعقيدة اليهودية ! لكن هرتزل كان يرفض ! وقد اقترح السلطان عبد الحميد الثاني عليه أراضي واسعة في حلب (وقال له ممازحاً وبهذا ستكون أنت وجماعتك جيران السلطنة وبرعايتها)، كما اقترح عليه أراضي واسعة واقعة على الساحل السوري على أن تكون عكا هي المدينة الأبرز لسكن اليهود بوصفها منفذاً لهم على البحر! كما اقترح عليه أن يبيعه جزيرة قبرص، وأن يعطيه شبه جزيرة سيناء .. فلم يوافق هرتزل إلا على الأرض الأخيرة (سيناء) لقربها من فلسطين، ولعلاقتها بالتاريخ الموسوي، وبالفعل لقد أعد هرتزل (كما يقول في يومياته) مع فريقه المختص المخططات اللازمة للاستيطان اليهودي في سيناء !

بالمناسبة يقول هرتزل إن السلطان عبدالحميد قال له إنني وفي جلستي هذه أبيعك جزيرة قبرص بيعاً قطعياً، وقد ضحكت (هرتزل) لأنني شعرت بأن قبرص لا تعني بالنسبة للسطان سوى أنها حانوت أو رأس ُغنم!

تاسعاً: لقد باع السلاطين العثمانيون كل الأراضي الفلسطينية التي لم تكن مسجلة بأسماء المواطنين سكان القدس، وعموم فلسطين أيضاً خوفاً من ذهاب أولادهم إلى التجنيد الإجباري العسكري العثماني،والتي كانت تسمى بأراضي (الجفتلك) باعوها لصيارفة المال، هؤلاء الذين باعوها بدورهم إلى اليهود وبأسعار أعلى !

عاشراً: غضَّ السلاطين العثمانيون النظر عن تدفق الهجرة اليهودية المتتالية إلى القدس بوصف أفرادها سياحاً، ولكنهم سكتوا على إقامتهم في القدس حتى صاروا بعشرات الألوف! بالمناسبة أشير إلى أن السلطان عبد الحميد أعطى اليهود (الجواز الأحمر) ألذي يمنعهم من شراء الأراضي في القدس، لكن اليهود التفوا على هذا الأمر وتجاوزه حين راحوا يستأجرون البيوت والمحال التجارية بعقود، هي في الأصل عقود بيع قطعية!

حادي عشر: تهاون السلاطين العثمانيون كثيراً مع الولاة الذين حكموا القدس وقد فرطوا بأرض القدس، وأحيائها، وأسواقها .. فصارت إلى أيدي اليهود عن طريق الرشا التي أخذوها منهم من أجل السكوت على شراء اليهود واستئجارهم للبيوت والمحال التجارية، والخانات، والحمامات، والخانقاهات المستخدمة كفنادق آنذاك، وبذلك أصبحت القوة الاقتصادية داخل القدس هي قوة يهودية !

ثاني عشر: باع السلاطين العثمانيون طريقاً لليهود يوصلهم إلى حائط البراق الذي يسمونه حائط المبكى، وسمحوا لهم بتوسعته، وبتبليط الأرض المجاورة للحائط (وهو أحد حيطان المسجد الأقصى)، وقد رفض إبراهيم باشا الذي حكم القدس مدة عشر سنوات (1830 / 1840) أن يسمح لليهود بالمرور في هذا الطريق الموصل إلى حائط البراق، كما رفض كل الإغراءات من أجل تبليط الساحة المجاورة للحائط، والسماح لليهود بالصلاة أمام الحائط.

ثالث عشر: حين خرج العثمانيون من القدس  كان قد تجمع فيها أكثر من 120 ألف يهودي هؤلاء الذين شكلوا ركيزة المشروع الصهيوني في المدينة وخطورة هؤلاء هي أبعد من وجودهم لأنهم استأجروا أسواق بكاملها، وعقارات عديدة والكثير من الأراضي والمزارع والتي ستغدو لاحقاً أملاكاً شخصية لهم مع دخول  الإنكليز إلى القدس  واحتلالها،خصوصاً مع تعيين اليهودي هربرت صموئيل متصرفاً عاماً للقدس الذي أصدر خلال خمس سنوات جملة من القرارات مكنت يهود القدس من تحقيق كل ما حلموا به في زمن العثمانين !

وبعد، أيها الكرام، فكل ما سلف ليس سوى استعراض للوقائع والتواريخ والأحداث، ليس سوى أخبار للسلاطين العثمانيين الذين احتلوا بلاد العرب وسرقوها طوال أربعمائة سنة تحت شعار (الإخوة الإسلامية) وهذا الاستعراض ليس مهماً إلا من ناحية  التذكير فقط وتثبيت الحقائق من أجل محو التاريخ المزيف الذي كتب بأيدي بعض المؤرخين العرب عن الحقبة العثمانية في بلادنا والتي لم تكن سوى حقبة احتلال.

المهم في هذه الآونة (وقد أفرعت شجرة أعدائنا) هو ما الذي نحن فاعلوه، وكتب التاريخ في المدارس العربية، ومنها الجامعات، ما تزال تنعت أزمنة العثمانيين في بلادنا بالعهد الإسلامي العثماني، أو بالفتح العثماني، أو بالوحدة العربية في ظلال السلطنة العثمانية!

وكان الأجدر بهذه الكتب، وبمن ألفها ووضعها أن يجهر بالقول أن تلك الأزمنة العثمانية هي أزمنة احتلال وقتل، وتشريد، وسجون، وانتهاك للحقوق والأعراض! وأزمنة رعاية لليهود أسست لمشروعهم الصهيوني في فلسطين كلها!

وأنه لا بد من المجاهرة بأننا  نحن العرب مازلنا ندفع فواتير التأسيسات الأولى التي عمل عليها السلاطين العثمانيون لتكون القواعد الأولى للمشروع الصهيوني في القدس وفلسطين عموماً، وأن بريطانيا والغرب (بمعناه الواسع ) ليسوا هم وحدهم من أسس هذه الكيانية الصهونية في فلسطين والقدس، بل كانت جهود السلطنة العثمانية سابقة على جهودهم وكانت رعاية السلطنة العثمانية سابقة على رعايتهم، وكانت حضانة السلطنة العثمانية لليهود سابقة على حضانتهم، الغرب كان الوارث لأفاعيل السلطنة العثمانية وقراراتها الظالمة التي مكنت اليهود من أن يتملكوا الكثير الكثير من الأراضي والعقارات الفلسطينية جهاراً نهاراً !

ولابد لنا، والحال كذلك ، من المجاهرة الدائمة الدائبة بأن هذه البلاد العزيزة فلسطين، ومنها القدس، لن تعود إلا بالأيدي العربية طال الزمان أم قصر! وأنه لا بدّ للعرب، وبعد هذا المخاض الطويل المؤسي من أن يوجدوا مشروعهم القومي، لأن غياب المشروع العربي يعني أن العرب يشتغلون لصالح المشاريع الأخرى ..وعوا ذلك أم لم يعوه!