احتلال القدس وتهويدها

0 707

 تقديم:

ما من باحث في التاريخ الإنساني عامة وتاريخ ما يسمى بالشعب اليهودي إلا أدرك أن هذا الشعب شعب مخترع وفق ما انتهى إليه الباحث اليهودي (شلومو ساند)… وقد استطاعت الحركة الصهيونية اختراع شيء من لاشيء، فقد اخترعت الحركة اليهودية من الدين الموسوي الذي لا يمت بصلة إلى ما عرفه الناس عن (يهوه) منذ العهد الأخميني  (425 ق.م) وعن أتباعه. ثم إن الحركة الصهيونية صبغت كل مشاريعها بصبغة توراتية تلمودية في منهج قائم على الكذب والتزوير والتضليل لجذب يهود العالم إلى نظريتها في (أرض الميعاد) و(شعب الله المختار)… وكان هذا التزوير قد وقع للآثار الكائنة في فلسطين والعراق ولاسيما التي تعود إلى عام (1200 ق.م) ثم انتهت الحركة الصهيونية اليهودية إلى رسم خطط تعتمدها في مشاريعها، وفق الآتي:

1 ـ التعصب والانغلاق والعزلة، والاستعلاء ضد الآخر وفق أطر مدروسة ومستمدة من كتب اليهود الدينية.

2 ـ توفير الدعم المادي والمعنوي من القوى العظمى التي تظهر في العالم؛ وجعلها مسخرة لأهدافها.

3 ـ الاستحواذ على الأرض ومقدراتها بكل السبل وتهجير أصحابها.

4 ـ التوحش بالعنف والقتل لبث الرعب في قلوب الناس.

5 ـ تغيير الواقع والتاريخ ليوافقا طروحات الحركة الصهيونية كما نراه في الاعتداء على الآثار والعادات والتقاليد.

6 ـ اعتماد سياسة المراحل للوصول إلى هدف إقامة الدولة اليهودية؛ والسيطرة على القدس بمقدراتها كلها، وفق مخططات الحركة الصهيونية المتسلسلة بدءاً من مؤتمر (بازل 1897م) بسويسرا.

وحين يكون الحديث عن القدس وتهويدها فإننا نقول:

لم يعد أحد في الدنيا يماري في أن القدس مدينة مقدسة عَبَرت فضاءات الزمن العريق لتنام على أطياف الحضارة المتسامحة المزنرة بريحان العشق الإلهي؛ والمكللة بغار المحبة والتآخي… وهي تحمل من المعاني الروحية السامية ما لا تحمله كثير من المدن والأماكن التي ارتبطت بمرجعيات روحية ودينية وحضارية.

فالقدس تجسّد مدينة الالتقاء بين السماء والأرض، وأرض المحبة والإخاء والتسامح والسلام، منذ أسسها العرب اليبوسيون قبل خمسة آلاف عام وسموها (مدينة السلام)… فقد تواتر عليها ما يزيد على أربعين حضارة عمرتها بالمحبة والتعايش المشترك، عدا المراحل التي عبر فيها اليهود فعاثوا في المدينة الطاهرة خراباً، علماً أنها وقعت في قيد الأسر اليهودي لمدة قصيرة طارئة على التاريخ، نتيجة خروج الوجود اليهودي عن الشرط الموضوعي للجماعات البشرية… ما يؤكد أن هذه المدة لا يمكن أن تقدم للصهاينة أو للحركة الصهيونية أي حق تاريخي فيها، ثم إن الدعوة السياسية للحركة الصهيونية المعاصرة لا تمت بأي صلة لأولئك اليهود العبرانيين الذين مرّوا يوماً ما بالقدس، ولم يتركوا فيها أثراً إلا المآسي للمقدسيين. وكان الفينيقيون قد صنعوا فيها أول سفينة قادرة على عبور البحار، ثم أخذ اليونان منها الكتابة، يوم غزوها وسيطروا عليها قبل (300 سنة) من الميلاد. ولهذا يصبح للاحتفال بيوم القدس والدفاع عن عروبتها كل عام معناه ومغزاه؛ لأنه موعد لتأسيس الوعي بقيمة القدس ومكانتها، وإزالة التزييف عن حضارتها؛ وهويتها العربية الإنسانية.

ولهذا لابد من إحداث الوعي بتاريخ القدس ولو كان الكلام شديد التكثيف.

 

 

*ـ شيء من تاريخ القدس:

حين كانت البقاع المقدسة الأخرى مرتبطة بمرجعيات خاصة تنبثق من طبيعتها ووظيفتها فإن القدس تمرّدت على التحديد؛ وأبت إلا أن تنفتح على التماهي في الحب الإنساني والصفاء الإلهي؛ فاستحقت أن تكون سيدة المدائن اسماً وتاريخاً وحضارة، كُتب عنها ما لم يكتب عن مدينة أخرى، ثم صارت ـ اليوم ـ قضية العرب الأولى: فهي في اسمها تنتمي إلى القدوس الطاهر المنزه عن العيوب والنواقص؛ ما يجعلها بعيدة عن التفاضل مع غيرها منذ وجودها… وكان قد اختطها للمرة الأولى الملك اليبوسي الكنعاني العربي (ملكي صادق) الملقب بملك السلاح لحبه إياه، فصاغها على منواله، حتى اشتهرت بين الكنعانيين بمدينة السلام… إذ كانوا يطلقون عليها في لغتهم (أورا ـ سالم) أي مدينة السلام، وربما حُرّفت ـ صوتاً ـ فقيل لها: أورا ـ شالم)… وكلمة (أور) سومرية؛ و(سالم) كنعانية، وسالم لدى الكنعانيين (إله السلام)… ومن ثم أُرّخت في (التوراة) باسم (أورشليم)، ونسبها الناس إليها، وجهلوا أو تجاهلوا الأصل الكنعاني الذي سبق دخول (داود) إليها بألف عام، والذي آثر تغيير اسمها إلى (مدينة داود)([1]).

ولا يخفى عن القاصي والداني أن هذا الاسم لم يصمد أمام الاسم العربي الكنعاني، لأنه طارئ على الزمن، والطارئ غير ثابت، وسرعان ما يزول كما يزول كل ما يطرأ عليها من أحداث أو شعوب. ولا شيء أدل على ذلك من أن أي مدينة في الدنيا أخذت اسمها من اسم بُناتها أو مؤسسيها ـ وهو ما شهدناه في غير ما مدينة مثل (دمشق والقاهرة، والإسكندرية، واسكندرونة و…) ـ ولم يستطع الزمن بأحداثه وناسه أن يطمسوا ذلك… وهذا عينه ما ينطبق على القدس بكل عراقتها….

ونرى أن أي مغادرة للظاهرة التاريخية الجمعية والشعبية الموثقة هي مغادرة للتاريخ نفسه… فالقدس لم تعرف نفي الآخر وصهرت في بوتقتها كل الأجناس الذين وفدوا إليها بوصفها مدينة للطهر والقداسة؛ وكذلك هي المدن الأخرى مثل (مكة) و(دمشق) و(القاهرة)… ولا يعني توجه بعض الناس من أتباع الديانة اليهودية في مرحلة من المراحل أنها مدينة تخصهم… فالقدس تقفز فوق التهويد ونتائجه وهو ما نشير إليه فيما يأتي.

 

*ـ تهويد القدس؛ انغلاق للفضاء الإنساني:

تتأبى القدس على كل طارئ لأنها متجذرة في التاريخ الحضاري العربي زماناً ومكاناً وثقافة، ما يعني أنها أصيلة الانتماء إلى التاريخ العربي؛ ما يجعلها ترفض التغيير والتبديل ـ مهما كانت جرائم التهويد التي تلحق بها وبجغرافيتها التاريخية أوابد وعمارات وطرقات، مساجد وكنائس، وهي جرائم لا تقل عما تعاني منه الذاكرة الجمعية، لأنها تحمل في ذاتها معنى المعنى الذي يجسد قيم الطهارة المبرأة من كل عيب أو حرام، منذ أسسها العرب اليبوسيون، وجعلوها مدينة منفتحة على الحضارة الإنسانية النقية.

ولا مراء لدينا في أن القدس قد عادت إلى أصحابها الأصليين في العهد الراشدي، بعد أن مثلت للعرب والمسلمين فلسفة الرؤية الموحّدة للأديان التي تعبر عن وحدة الالتقاء بين الأرض والسماء؛ علماً أنها كانت تمثل لديهم القبلة الأولى، وحاملة لاسم بيت المقدس، وضامة لأقدس البقاع لديها مثل (المسجد الأقصى، وقبة الصخرة، وبيت لحم، وكنيسة القيامة و…) وهي مكان معراج النبي حيث التقت الأرض بالسماء… ما يوحي بأنها مدينة تختزن كل قيم القداسة، مدينة تمتنع على التفاضل مع غيرها في صميم الانفتاح على الإخاء والتسامح والعيش المشترك المستند إلى العدل والمساواة بين الديانات والبشر وفق ما ذهب إليه المؤرخ (ميخائيل السرياني) المعروف بالتقوى. فقد رأى أن العرب / المسلمين لم يضطهدوا أحداً بسبب عقيدته[2]، أو جنسه أو لونه، كما شرّعته العهدة العمرية وشهده تاريخها العربي.

فالقدس تؤصل الوعي الديني الجمالي النوعي للإنسان المؤمن بقيم المحبة في صميم التجربة التي تنطلق من مستوى الاعتقاد بكل ما هو جامع للذات البشرية الخيرة، والذات الإلهية الكاملة… ما يثبت تكامل كل ما هو أرضي بكل ما هو سماوي لدى العرب، أياً كانت الطقوس العقدية التي يمارسها أصحاب الديانات فيهم، بيد أن من يطبق هذه السمات الدينية والفكرية الحضارية على الصهاينة المحتلين لفلسطين يجد أنهم أبعد ما يكونون عن ذلك كله… فهم براء من أي مستوى من مستويات المشاركة في معاني القداسة… بل إنهم براء من الدين الحقيقي الذي جاء به (موسى u) فممارسة الطهارة والنقاء والإخاء تستند إلى التعالي عن تطبيق مفاهيم العنصرية والاستعلاء، واستعباد الإنسان وتحقيره وقتله و… ما يؤكد أن الصهاينة المحتلين، وأَتباع الدين اليهودي من المتطرفين والصهاينة يشددون على تبني مفهوم شعب الله المختار؛ ونفي الأغيار، وسومهم أشد أنواع القهر والإذلال، ولاسيما حين يقعون تحت سيطرتهم… فهم لا يعرفون إلا ممارسة اجتثاث الآخر، وقتله بدم بارد، بوصفهم يحاكمون طُرُز الصراع الدموي الأول الذي مارسه أجدادهم على سكان القدس الأصليين يوم غزوها محتلين في الزمن القديم،.. ومن ثم فهم اليوم يخادعون الناس ويكذبون على الله والخلق حين يزعمون أنهم يريدون أن تكون القدس مدينة مفتوحة لكل الأديان والأعراق… وهنا يتساءل المرء: كيف تكون كذلك وهي تعيش في ظل العنصرية والتعصب، والكراهية والاستعلاء والقهر، والقتل والتدمير والتهجير للعرب أصحابها الحقيقيين؟! إنها تتعرض للاختزال والتشويه الجغرافي والتاريخي شأنها شأن الأرض الفلسطينية كلها…

إن ما تعيش فيه القدس من سيطرة الاحتلال الصهيوني وسعيه الحثيث إلى تهويدها يجعلها مدينة مغلقة، مقيدة أسيرة لقوة الغطرسة المدعومة من أباطرة القهر والإذلال في العالم، والممثلين هذه الأيام بإدارة أمريكية محافظة، إدارة فقدت كل حس خلقي، وتنكرت لقيم العدل والمساواة والإخاء… إذ أثبت الواقع المعيش أن الحقوق غير متساوية في المفهوم الإمبريالي ـ الصهيوني… وأن مفهوم العيش المشترك بعيد عن فلسفة أرباب التهويد الذين يرون أنهم ينتمون إلى طبقة النبلاء، على حين ينتمي العرب وغيرهم إلى طبقة العبيد الأغيار. ومن ثم فإن القدس ـ اليوم ـ مغلقة على رموز المتخيل اليهودي التلمودي والتوراتي، والمعمّدة بحقد الصهاينة وكراهيتهم للبشرية. فالتجربة الصهيونية منذ ظهورها في مؤتمر (بازل 1897م) تجربة عصابية ظلامية منطوية على ذاتها، وحاقدة على البشرية، نزعت عنها كل معنى موافق للطهارة، بعد أن حملت للقدس كل ألوان الشر والكراهية، فقد أكدت التجربة الصهيونية طبيعتها الإجرامية الممثلة بالإبادة الجماعية التي مارستها بحق الشعب العربي الفلسطيني في ظل الانتداب البريطاني، ثم في مجازرها الوحشية إبان نكبة (1948م) وبعدها، مثل مجزرة (كفر قاسم ودير ياسين).. ثم هاهو ذا الكيان الصهيوني يمارس أبشع أنواع المجازر والتهجير الجماعي بحق أبناء فلسطين هادفاً إلى تهويدها بعد التخلص من الوجود العربي، لأنه يرفض مبدأ العيش المشترك، على اعتبار أن إقامة الدولة اليهودية العنصرية يتنافى مع وجود الآخر أياً كان انتماؤه. لذا قرر الصهاينة إرهاب الشعب الفلسطيني إرهاباً منظماً وإبادته جماعياً، وطفقوا يتفننون بأشكال تهجيره حصاراً وتجويعاً، وتخويفاً وقتلاً وحشياً، دون أن يرف لهم جفن أو أن يبالوا بمبدأ حقوق الإنسان، أو بالمبادئ الروحية السامية وما جدار الفصل العنصري عن الناس ببعيد، فهو يتلوى كالأفعى قاضماً للأرض والمزروعات، ومقتلعاً لأصحابها إلى أماكن مجهولة…

أما ما يتعلق بالحفريات الأثرية في القدس وغيرها من بقاع فلسطين فقد أثبتت الهوية الثقافية الحضارية لأرض كنعان، أرض بلاد الشام أن الأرُومة اللغوية لأبنائها أرومة واحدة وإن اختلفت اللهجات القديمة بين آرامية وكنعانية وأكادية… وعمورية، فضلاً عن إثبات العقيدة الموحدة لسكانها العرب الذين توارثوها…

وفي الوقت نفسه أكدت تلك الحفريات بطلان مزاعم الصهاينة حول الهيكل المزعوم… وكانت الحفريات الأثرية بدأت في القدس منذ عام (1867) إثر إنشاء صندوق الاستكشاف الفلسطيني بإشراف (السير وارن) الباحث عن الهيكل… ثم أيقن علماء الآثار الصهاينة عام 1967 و1968م أنهم يبحثون عن سراب…

فالكيان الصهيوني سعى جاهداً إلى إثبات مزاعم التوراة فأخفق في كل مساعيه؛ وهو الإخفاق الذي واجهه هذا الكيان حين هزمت الحفريات التي قامت بها عالمة الآثار (كاتلين كينيون) في أريحا بين عامي (1952 و1958) كل مزاعم الصهاينة في هذا المجال وأعلنت للدنيا أنهم يكذبون على الله والحجر….

ولما أدركت الحركة الصهيونية وقادتها في الكيان الصهيوني أن الآثار لن تقدم لهم شيئاً فإن الحكومة الصهيونية راحت تضع الخطط الخمسية للسيطرة على القدس وتهويدها وضم كل أجزائها. فهي تنظر إلى القدس الشرقية بوصفها تفتقر إلى الخدمات ولابد من تطوير بنيتها التحتية؛ والارتقاء بالأحياء الفقيرة… وفي الحقيقة هي تعمد إلى سياسة خبيثة للسيطرة عليها وعلى سكانها.

لقد شاء القدر أن يمنح القدس خاصة وفلسطين عامة منزلتها في القلوب العربية والإسلامية والإنسانية حين سلط عليهما شذاذ من الصهاينة لعقة الدم الإنساني والوالغين في كراهية البشر. ولا شيء أدلّ عليه مما حصل في غزَّة (27/12/2008م) فيما سماه عملية (الرصاص المسكوب) إذ شنت طائرات الإجرام والقتل عدوانها الواسع فأزهقت (431 شهيد) و(2280) جريحاً حتى مساء الجمعة (2/1/2009م) فضلاً عن تدمير دور العبادة والمنازل والبيوت والجامعات والمستشفيات….

وكل من تابع ما جرى في غزة أدرك أن الصهاينة حاولوا تغشية عيون العالم عما يقومون به من إقامة المستوطنات الصهيونية السرطانية لإبعادها عن جوهر عملية السلام؛ مع التأكيد أن الكيان لا يسأم من الإعلان جهاراً عياناً عن إقامة دولته اليهودية وعاصمتها الأبدية (القدس) الموحدة وشنّ هجوماً شديداً على كل من يعارض ذلك. ومن ثم فإن (سيلفان شالوم) نائب رئيس وزراء الكيان الصهيوني انتقد ـ آنذاك ـ سياسة (أوباما) حينما دعا إلى تجميد بناء المستوطنات وتبني حل الدولتين. فقد صرّح لإذاعة (لندن) بأن القدس “هي العاصمة الأبدية لإسرائيل، وسنستمر في البناء فيها، شأنها شأن أي مدينة داخل إسرائيل”. وبهذا فهو يتابع ما كان قد تبناه (نتن ياهو) رئيس وزرائه حين زعم أن قضية القدس قد انتهت؛ بمثل ما انتهت قصة الدولة اليهودية ـ عنده ـ وأي محادثات ثنائية بين الصهاينة والعرب يجب أن تسلّم بيهودية الكيان.. وإلا فإن المفاوضات حول التسوية ستطول إلى ما لا نهاية.

ولذلك فإن المواقف العربية والدولية العاجزة أمام تهويد القدس صارت أشهر من نار على علم، ولن ينتج الشجب والاستنكار إلا استشعار المرارة وتناسل الخيبات، وبخاصة حين تتناسخ الحسرات من العبث السياسي الذي تمارسه الأنظمة العربية الرسمية، لأنها ما زالت تقف خلف بوابة التسوية مترقبة الإذن بدخولها؛ وما برحت تلهث وراء عملية السلام التي قتلتها الحكومات الصهيونية المتعاقبة. ما زالت هذه الأنظمة تستجدي تلك العملية على حين تصرّ إدارة (نتن ياهو) على سبيل واحد لتحقيق السلام، سبيل لا ثاني له؛ إنه خارطة الطريق التي أقرّتها الرباعية الدولية، بعد أن تجاهل الكيان الصهيوني قرارات الشرعية الدولية وسخر منها، وطفق يهزأ من المبادرة العربية للسلام؛ ويرفض حق الفلسطينيين بالعودة والتعويض، فضلاً عن رفضه لحق العرب باستعادة أراضيهم المغتصبة عامي (1948م) و(1967م)… ولا بأس أن نعود إلى ما يتعلق بدعوة (أوباما) لتجميد المستوطنات، وحل الدولتين فإن الصهاينة يلعبون في الوقت الضائع ويعبثون بتوجهات (أوباما)، وهو العبث الذي قاموا به من قبل مع الرئيس الأمريكي الأسبق (بيل كلينتون) حين طالب بالأمر نفسه، ولكنه استسلم في نهاية المطاف لرغبة الصهاينة، وهو عينه ما سيقوم به (أوباما)… فالصهاينة يناورون، ويتفننون بخلق اختلاف داخلي صهيوني، وما يفعلون هذا إلا من أجل ابتزاز (أوباما) وإدارته… فهم لا يعيشون أزمة اختلاف كما يزعمون، ولا يعانون من أي فتنة تجاه آراء (أوباما)، لأنهم يدركون أنه ملتزم بأمن الكيان، والحفاظ على وجوده في دولة يهودية. وهذا ما صرَّح به من فوق منبر جامعة القاهرة، بل راح يطالب العرب بالاعتراف بالدولة اليهودية مقابل السلام، ثم أعلن للدنيا كلها حفاظه على أمن الكيان ووجوده… ما يعني أن الكيان الصهيوني مطمئن لدعم أمريكي متواصل ولدعم عظيم من الدوائر الغربية. وفي ضوء ذلك كله فإن الصهاينة يسعون جادين إلى تزييف حقائق التاريخ والواقع؛ والجغرافية والعمران، وقيم التراث والثقافة، ومبادئ الإنسانية وأخلاقها السامية.. ثم إنهم يحقدون عليها جميعها، لأنهم يحقدون على العرب والمسلمين الذين صنعوها، وأسسوها.. إنهم يعيثون فساداً في الحجر والشجر والبشر، انتهكوا حرمات الأحياء والأموات؛ فجرفت آلياتهم المقابر ونزعت شواهدها دون رحمة أو شفقة، بمثل ما جرفت الأراضي الزراعية وغيرها.. إنهم يخربون معالم القدس، وبقية التراب الفلسطيني.. فالمسجد الأقصى يتعرض للتهديم نتيجة الأنفاق التي تحفر تحته؛ بحثاً عن هيكل (سليمان) المزعوم وسيصبح أثراً بعد عين حين تهوّد القدس بكاملها عام (2020م). أما حائط البراق فصار يقال له حائط المبكى، وقد زاره بابا الفاتيكان بين ثقوب حجارته ليضع ورقة اعتذار من اليهود، علماً أن كنيسة القيامة، وكنيسة المهد تتعرضان كل لحظة للحقد الصهيوني؛ بل إن التراث المسيحي في القدس يتعرض هو الآخر لخطر صهيوني أكبر روحياً ومادياً، فالصهاينة يعبثون بكل ما تمثله الأماكن المقدسة. والقائمة في هذا المقام تطول حول تحويل المساجد إلى أماكن للعبث واللهو و….

فالصهاينة لا يعيشون أزمة اختلاف فيما بينهم إلا من أجل الاستمرار في ابتلاع القدس برمتها وتهويدها؛ ومن ثم جعل ما يسمى بالدولة الفلسطينية الموعودة دولة صورية لا حول لها ولا قوة، دولة منزوعة السلاح، تابعة في سياستها ومواردها وصناعتها وزراعتها و…. لدولة الكيان الصهيوني؛ أي إنها دولة منزوعة السيادة والقوة والإرادة و… دولة لا علاقة لها بالقدس لا من قريب ولا من بعيد؛ لأنها عاصمة الدولة اليهودية الأبدية والموحدة…

فالكيان المجرم ينفذ سياسة تهويد الأرض والتاريخ والآثار والعمارة والعادات والتقاليد… ومازال يزعم أنه يريد السلام ويرغب في أن يجعل القدس مدينة حضارية… فمن يصدّق ذلك؟ حتماً لا يصدقه إلا أعمى البصر والبصيرة… و

إن تهويد القدس؛ يعني انغلاقها على فضاء التعصب الصهيوني العنصري الاستيطاني، ما يجعلها أبعد ما تكون عن فلسفة المدينة الحضارية المفتوحة التي ترمز إليها بوصفها تنبثق من الإيمان بالآخر واحترامه وتقديره حياة وثقافة وعقيدة… وهي رؤية متوازنة وموضوعية توافق بين كل ما هو بشري وكل ما هو إلهي، ما يعني أن الدفاع عن القدس: أرض الرباط إلى يوم القيامة؛ دفاع عن المقدسات كلها، وعن فلسطين، ثم هي مقدمة للدفاع عن الأمة العربية والإسلامية.

وإذا كنا نفخر بأننا ننتمي إلى الثقافة العربية الحضارية التي أَصَّلت قيم المحبة والتآخي والعيش المشترك، فإنه ينبغي علينا أن نؤكد أن صيانة ثقافة القدس عربياً وإنسانياً صيانة للثقافة العربية برمتها… وهي الثقافة التي حققت فلسفة السمو والارتقاء الروحي وفق الحس الإنساني النبيل المستند إلى رؤية الأجداد في مدينة القدس المفتوحة والملبية لأمنيات الإنسان المعاصر… وعلينا أن نكون حذرين من الدعوات المضللة والمنحرفة لما يحاك لها ليل نهار… كأن ندخل إلى القدس في ظل الاحتلال الصهيوني، وقد مُهِرنا بخاتم الكيان الصهيوني الحاقد والشرير… فإذا كانت الذاكرة الثقافية العربية إنسانية ومتسامحة، فلم تكن في يوم من الأيام مغفلة أو ساذجة… هكذا كانت، وهكذا ينبغي أن نتمسك بمدينة السلام، مدينة العزة والكرامة والطهر… مؤكدين أن مستقبل القدس سيكون لهذا الحس الصادق والأصيل في فهم مبدأ المدينة الحضارية المفتوحة الممتدة في التراث العربي العريق…

 

*ـ القدس جرح نازف:

تمثل القدس جوهر النزوع الروحي السامي للمسلمين والمسيحيين والشرفاء من أحرار العالم؛ ما يؤكد أنها مدينة مقدسة عند أغلب الشعوب والأمم… وهي التي تجسّد مبتدأ الصراع العربي ـ الصهيوني ومنتهاه ومرتكز الوجود العربي لمفهوم التحرر والاستقلال والسيادة…

وحين نُستنفر اليوم جميعنا فإنما نُوقِظ في ذاكرتنا عظمة الجراح التي تعاني منها زهرة المدائن؛ ونثير المشاعر الجلامد من مرابضها لأنها أسيرة مقيَّدة؛ أناخ الموت والدمار والتخريب فيها كلكله… فطالما شاهد كل حر في العالم شلالات الدماء التي تسيل على شاشات الفضائيات بعد أن عانقت امتداد الشوارع والحارات، وتضمخت بتراب القدس الطهور. فيهوذا الذي يعيش في أعماق الصهاينة ما زال متعطشاً لشرب دماء الأبرياء، فهو الحاقد على البشرية والغاضب عليها أبداً…

فالقدس تنام وتصحو على أنهار من الحزن والمآسي التي تتشظى أجساداً وأشلاءً تتمزق بأنياب القيادات الذئبية الصهيونية المفترسة الوالغة في التوحش والقتل، دون أن يردعها رادع من خلق أو ضمير أو قانون أرضي أو سماوي. فالقيادات الصهيونية تمارس سياسة الاستئصال العنصري وتنفذ مخططات تهويد منهجية مدروسة لتغيير وجه القدس الحضاري، ولعل أحد جراح الحقد الصهيوني ما يتجلى في بناء حي استيطاني جديد لقطعان الصهاينة في حي (الشيخ جراح العربي)… وتزامن هذا البناء في الأسبوع الماضي مع سلسلة اعتقالات ومداهمات في القدس والضفة الغربية، كما تزامن مع اعتقال (178) عاملاً ادّعى الكيان الصهيوني أنهم دخلوا أراضي (1948م) دون تصريح لهم. أو كما يجري اليوم فيهما بعد اتهام الشعب العربي الفلسطيني بقتل ثلاثة من المستوطنين الصهاينة، إنه اتهام باطل لم يثبت بالأدلة؛ ما يجعلنا نقول: إن المستفيد من زعزعة الاستقرار في القدس والضفة الغربية هو الصهاينة؛ ما يعني أنهم تخلصوا من ثلاثة صهاينة من أصل أثيوبي، ثم عاثوا فساداً في الأرض المحتلة.

ولا شيء أدل على هذا من إحراق الفتى المقدسي حياً (محمد حسين أبو خضير)، يوم الأربعاء (2/7/2014م)، فقد أقدم حاخام صهيوني متطرف مع ولديه وثلاثة من اليهود المتعصبين بحرقه في وضح النهار، ثم جاء العدوان الإجرامي الذي شنته الحكومة الصهيونية على قطاع غزة إذ زاد عدد الشهداء في يوم الاثنين ـ وحده (7/7/2014م) وهو اليوم الأول للعدوان ـ على أحد عشر شهيداً ما عدا الجرحى فضلاً عن (120) معتقلاً، ثم بلغ في اليوم الحادي والعشرين منه (565)  شهيداً وما يزيد على (3265) جريحاً.. فصواريخ الصهاينة تقتل الأطفال والنساء والشيوخ وتقطع أجسادهم أحياء، وليبلغ العدوان ذروة التوحش حين قصفت الطائرات الصهيونية حي الشجاعية يوم الأحد (20/7/2014م) فكانت حصيلة الشهداء فيه (74) شهيداً، و(350) جريحاً، إنها جرائم تذكر الجميع بالجرائم النازية…

فالانتهاك الصهيوني مستوطنين وكلاباً يعبث بكل ما هو فلسطيني ولعل جريمة الحاخام الصهيوني واحدة من جرائم كثيرة تؤكد همجية الصهاينة وعنصريتهم المتوحشة التي نقلوها إلى التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها (داعش ـ الدولة الإسلامية في العراق والشام) و(جبهة النصرة) وأخواتها.

وحين نشير إلى هذه الجرائم نتذكر دور بعض الدول العربية وجامعتهم، وبعض الدول الإقليمية فكلها صمتت صمت أهل الكهف، على الرغم من الاستباحة الصهيونية للكرامة العربية في قطاع غزة أو في الضفة الغربية ولاسيما القدس. فأين الدول العربية التي دعمت الفتنة وسفك دم السوريين، وأمدت الإرهابيين بالمال والسلاح؟.

وبناء على ذلك كله فإننا نتساءل: هل يمكننا أن نشفي فلسطين عامة والقدس خاصة من جراحاتها النازفة كل لحظة.؟! وكيف نستطيع انتشالها من عملية التهويد المنهجية والمستمرة كل يوم؟!

لا سبيل إلى ذلك إلا بالإرادة وتوحيد قوة المقاومة المسلحة بأحدث الخطط والمعدات، ورصِّ الصفوف الوطنية والقومية والإسلامية والإنسانية لتخليص مدينة السلام، مدينة السيد المسيح؛ مدينة مسرى الرسول الكريم من الآثام والشرور التي تعاني منها… إن صباحات القدس لن تشرق إلا بإعادة البهاء النقي إليها بالمقاومة الباسلة المستمرة… إننا لن نستطيع إنقاذ التراث العربي والإسلامي والمسيحي في القدس من براثن الكيان الاستيطاني السرطاني إلا بتحقيق جبهة عالمية متراصة من الأحرار والشرفاء، جبهة تزحف بالكلمة والسلاح لإطلاقها من قيدها وأسرها…

حينذاك تبرأ القدس من جراحاتها الغائرة النازفة.

([1])         انظر بيت المقدس والمسجد الأقصى ـ محمد حسن شُرَّاب ـ ص 34 ـ 43 ـ دار القلم ـ دمشق ـ 1994م.

[2] انظر فلسطين أرض الرسالات السماوية ـ روجيه جارودي ـ ص 126 ـ دمشق ـ 1988م.