فلسطين.. وشبانها

361

فلسطين.. وشبانها

نادرة ,

بل نادرة جدا هي القضايا الكبرى التي لاقت من التعقيدات والعقبات

والمصاعب مثلما لاقت القضية الفلسطينية, ونادرة جدا هي الحالات

الإنسانية التي راكمت من الأذيات و الكواره والدماء والأحزان والأسى ما

راكمته القضية الفلسطينية, ونادرة هي أيضا القضايا البينة الواضحة الجلية

مكانا وزمانا وبشرا وعقائد كالقضية الفلسطينية في الحقانية والعدالة

ومع ذلك ومنذ عام 1948والقضية الفلسطينية تعاني وتلاقي الحيف

والصدود والتجاهل من كبريات البلدان التي تتشدق بالحديث عن العدالة

والديمقراطية وحقوق الشعوب والسلم العالمي والحريات: والاعتراف

بالآخر! وليس من سبب وراء ذلك سوى السبب اليهودي عبر تجلياته

المتعددة من الدين واليهودية إلى الفكر والصهيونية, إلى البعدين التاريخي

واللغوي والعبرية, إلى البعد السياسي والكيانية الإسرائيلية. فاليهود, وعبر

التاريخ, ولأسباب كثيرة, منها الاستحواذ على المال لعبوا أدواراً فيها الكثير

من الانحناء والنشاءة لأنهم استحوذوا على مال العالم وبطرق كثيرة, وبه

استمالوا رؤوس الحكام في الدول التي لعبت أدوار تاريخية مهمة داخل

الحراك البشري فمنذ الكينونات الأولى لمفاهيم الدولة والسلطة, والقوة

والهيمنة كان لليهود حضورهم المالي وقد حدث هذا أيام الفراعنة

والفرس والرومان والبيزنطيين والقياصرة وفي أيام الهيمنة الأوروبية

الحديثة لـ بريطانيا وفرنسا وهولندا وألمانيا والنمسا وإيطاليا واسبانيا

والبرتغال  ولم يكن الحضور اليهودي عبر مدونة التاريخ وهي مدونة

طويلة,سوى الحضور المالي, فالفراعنة « والفرس والهنود والروس

والأوروبيون والأمريكان اليوم والعرب (طوال أزمنتهم التاريخية) كلهم

أصحاب شكوى من الحضور المالي اليهودي, وهذه الشكوى ليست موجودة

فقط في المدونات التاريخية وإنما في المدونات الأدبية أيضا.

أتحدث عن القوة المالية اليهودية, لأصل إلى أمر أجده مهما وهو أن

المال يشكل قوة من قوى الأفراد والمجتمعات والدول وسلطة من سلط

الدنيا كلها وجاذبا من الجواذب الرئيسية في الحياة. فهو أي المال كائن

سحري مولد لقوى أخرى ومنها القوة العالمية والاقتصادية, والسياسية,

والعسكرية. حتى عالم الثقافة,القائم على القيم السامية, لا ينجو من

مفاعيل المال المغرية حينا والهدامة حينا آخر!

بسبب القوة المالية والاستحواذ عليها استطاع يهود العالم أن يسيطروا على

بقع أرجوانية مهمة في العالم, ومنها الحياة السياسية التي تولد القرارات

ويها تتحكم بمسارات التاريخ في العالم وإن كانت هذه المسارات ظالمة,

وبعيدة عن أي طيف من طيوف العدالة والحقانية« ولعل أكثر هذه

المسارات التاريخية ظلماً خلال السيرورة البشرية هو ذلك المسار

البريطاني /الغربي/ الأمريكي الذي سرق فلسطين أرضاء وشعبا وتاريخا

وثقافة, وأعطاها بوساطة قرارات سياسية لليهود الذين راحوا يبذلون جلودهم

وفق ما تقتضيه مصالحهم فهم صهاينة أهل فكر وعقلانية مرة وهم يهود

أهل عقيدة تدين بديانة سماوية مرة أخرى وهم عبرانيون أهل تاريخ وماضي

مرة ثالثة وهم إسرائيليون أهل سياسة وسيادة مرة اربعة. وكل هذا معروف,

في أيامنا ومدرك عيانا وإن كانت بعض المحجوبات ما زالت طيً

الأسرار. وما حدث فوق الأرض الفلسطينية هو أمر مدهش ومحير

ومخيف« وظالم.. ذلك لان العالم معظم العالم تقريبا ولاسيما الدول

المتنفذة سياسيا وعسكريا شاركت في تظهير الوجود الإسرائيلي فأسست له

كيانية اسرائيلية فوق الأرض الفلسطينية, والعالم: معظم العالم تقريبا يكاد

يكون مشاركا في هذا التواطؤ الظالم لأبناء الشعب الفلسطيني وساكتا

عنه!

هذا أمر جلي وواضح لكل شرفاء العالم بل لكل أشرار العالم ايضا ولكنه

أكثر وضوحا وأكثر إيلاما بالنسبة للفلسطينيين الذين لم يتكتلوا ولم

يتناوموا ولم ينسوا ولم ينصرفوا لشؤون أخرى تبعدهم عن المحرق 0

الأساسي للقضية الفلسطينية بدلالات التاريخ والسكان والثقافة والقيم

والعمران والحضارة التي تجلت بما بنته اليد الفلسطينية من موانئ بحرية:

وشق للطرق البرية واستئناس للأودية« والجبال والسهول والعمران كيما

تصير فلسطين جنة الله على الأرض أو كيما تصير أرض الله الصغيرة

المسيجة بالرضا

ولم يكن أهل الفورة الفلسطينية, وعبر التاريخ الفلسطيني المقاوم سوى

الشبان! صالح الدين الأيوبي الذي أخذ ثقافة الانتصار كتابا له كان شابا

حين انتصر في حطين: وحين حرر بيت المقدس والظاهر بيبرس وعبر

تجلياته الحضارية كان شابا حين عمر البلاد الفلسطينية وسؤرها بالمهابة

برأ وبحرا. وانتصارات عين جالوت وأجنادين.. وأصحابها الحقيقيون هم

الشبان. سليمان الحلبي قاتل كليبر قائد الحملة الفرنسية كان شابا وعز

الدين القسام. وعبد القادر الحسيني وسعيد العاص وسعيد عكاش ومحمد

الأسمر وبهجت أبو غربية« وأبو موسى وعطا الزير ومحمد جمجوم

وفؤاد حجازي وكمال ناصر وأبو يوسف النجار وكمال عدوان وأبو

الهول وجورج حيش وخليل الوزير وصابر محيي الدين, ووديع حداد

كانوا شبابا وهم يناضلون من أجل فلسطين بل استشهدوا وهم في

عز الشباب. وعبد الرحيم محمود وإبراهيم طوقان, وعبد الكريم الكرمي

وغسان كنفاني وماجد شرار وعز الدين القلق ومحمود الهمشري وناجي

العلي وحنا مقبل وحسين البرغوثي وعلي فودة« وراشد حسين كتبوا

لفلسطين واستشهدوا لأجلها وهم في فورة الشباب وزهوته!

والآخرون وعلى مختلف صفاتهم وأعمالهم جعلوا من شبابهم موقدة نار

للنضال والمواجهة من أجل فلسطين« ومازالوا وستظل الأجيال الفلسطينية

تتوارث ثقافة المقاومة مثلما تتوارث التاريخ والأرض واللغة وقيم البطولة

والشهادة, وروح العمران والحضارة والأشواق لبناء حضارة تليق بالبالد

الفلسطينية اعترف بتاريخها الباذخ واحترم له.

واليوم: شبان فلسطين يواقفون المرايا ليس من أجل أن يروا وجوههم

القمرية وال من أجل أن يروا قاماتهم فهي عالية وسامقة كالأشجار…

حتى حين يرميهم الرصاص أرضا إنهم يوقفونها من أجل أن يعرفوا

مواضع أقدامهم« وعلى أي أرض يقفون ولكي يعرفوا الفضاءات التي

تحيط بنباهتهم وأحلامهم« والمعاني التي تهدر بها لهواتهم من أجل العزة

التي لن تكون إلا بتحرير التراب الفلسطيني المبارك العزيز المقدس.

لقد وعى شبان فلسطين وعبر سيرورة التاريخ الممتدة على مئة عام وزايد«

أن هذه البالد الفلسطينية هي بالد مطامع لليهود والغربيين الذين احتلوها

لكي تكون أرض الكينونة الإسرائيلية« وقد أخذت بريطانيا على عاتقها

حماية اسرائيل وتسليمها إلى الإدارة الأمريكية للقيام بالدور نفسه الذي

قامت به بريطانيا التي تشكل رأس الشر في العالم, كانت ولا تزال لانها

لم تغادر بلادنا بعد لان الأجيال السياسية العربية التي رأت في العمالة

والخنوع والخذلان والخيانة ثقافة  لها.. مازالت تتوارث كل أشكال المذلة

لكي تنفذ لليهودي الذي غداء ومن الناحية السياسية إسرائيليا كل ما يريد«

وكل ما يحلم به أيضا!

لذلك وبسبب هذا الوعي كانت الثورات الفلسطينية دائمة ومستمرة: وهذا

الأمر لم تعرفه الدول العربية التي كانت تحت الانتداب الغربي آنذاك مثلما

عرفته البلاد الفلسطينية ألن المعارك والمواجهات الفلسطينية /البريطانية

من جهة, والمواجهات الفلسطينية /اليهودية من جهة أخرى كانت يومية«

أسبوعية, وال سيما في أيام الجمع فوق أرض القدس الشريف« وأيام الأحد

في القدس وبيت لحم والناصرة.

لا بل إن الوعي عند الشباب الفلسطيني هو الذي أسس للمقاومة

الفلسطينية الحديثة بعد النكبة الفلسطينية عام 8اء وهو من شكل

الحضور الفلسطيني المقاوم عسكري في القواعد الفدائية وعلى جبهات عدة

وهو من شكل الوعي المقاوم سياسيا ف أحمد الشقيري الذي كان شابا في

عقدي الخمسينيات والستينيات هو من أسس الحياتين السياسية والفكرية

للشعب الفلسطيني من الميثاق القومي الفلسطيني إلى م. ت. ف« إلى

المجلس الوطني الفلسطيني« إلى الصندوق القومي إلى جيش التحرير

الفلسطيني إلى قوات الميليشيا الشعبية, إلى الحارك الدبلوماسي

الفلسطيني عربيا ودوليا.

وحملة الثقافة شعرا وسردا وفنونا هم شبان فلسطين في الداخل والخارج:

فقد أنشد محمود درويش وهو ابن عشرين سنة وطني ليس حقيبة وأنا

لست مسافر وكذلك كان إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وغسان

كنفاني ويوسف الخطيب« ورشاد أبو شاور وخالد أبو خالد ومحمد الفي

ومحمد القيسي وناجي علوش وناجي العلي وأنس صايغ وهشام

شرابي وإدوارد سعيد.. كلهم ربطوا شبابهم بفلسطين.. ماضي وحاضر

ومستقبلا. وهذا ما لا يمكن أن تغفل عنه عين رائية أو عقل نبيه!

فالشباب هم عماد القضية الفلسطينية, هم مرآتها هم صورتها المطلوقة

بكل النداوة والإنارة في جميع فضاءات العالم. وهم بذلك اللغز المحير

للعالم أجمع وفي مقدمة هذا العالم المشخص ما يمثله الإسرائيلي الذي

سؤر نفسه ليس بالأباتشي والـ 16f فقط , بل بالنووي أيضا والذي لم

يخف الفلسطينيين بالمجازر وحمامات الدم ولا بالمعتقلات الراعبة ولا

حتى بالإماتة البطيئة فالشباب الفلسطيني هم السؤال الذي راح يكبر

ويكبر ويكبر في جهات عدة من الأرض وفي عقول عدة أيضاء ومنها

العقل الإسرائيلي وفحواه لماذا هم يقاومون وهم في طراوة العمر وفي

شرخ الشباب وكيف يؤجلون حيواتهم من أجل فلسطين, وكيف يطوونها

وهي في زهوها من أجل فلسطين؟! وكيف يستشهدون وأحلامهم مثل

الثيران الموقدة تفور في صدورهم وعقولهم من أجل فلسطين! لقد غفل

هؤلاء جميعا عن حقيقة ماثلة في الذهنية الفلسطينية وهي أن الشباب,

والحياة والأعمار ولأحلام كلها تتمثل بفلسطين, وليس في أي شيء

سواها!؟!

وبذلك لم يكن الجواب صعبا أو عسيرا إلا على الذين لم يعرفوا قيمة

فلسطين وتاريخها ومعانيها! فالجواب الذي يعرفه شبان فلسطين من

ساعة مولدهم هو أنهم ورثة جدهم المسيح عليه السالم الذي نادى

بالمحبة والذي مشى دروب القس, ونام في ظلال زيتونتها ودار حول

طبريا واختبأ في الكهوف والمغاور بعيد عن العين اليهودية الراصدة له.

وكزز في قرى الجليل حتى أخذت اسمه وتباركت به. فهم أعني الشباب

الفلسطيني يمشون وراء هذا الفادي العظيم الذي اشتق درب آلامه

بالصبر, والثبات والعزيمة, والنورانية الكاملة!

كما يعرف الشبان الفلسطينيون أيضأ أنهم حراس بيت المقدس, وأنهم

طيوره, ونهاراته وعيونه اليواقظ  وأنهم حماة الناصرة« وبيت لحم وطبريا

أريحا ه وغزة… وأنهم ورثة التاريخ الماجد للناصر صالح الدين: والظاهر

بيبرس وما قبل هذا التاريخ أعني تاريخ كنعان الذي أضاء العالم

بحضارته وقيمه وعمرانه وثقافته الراجحة.

وهم يعرفون أيضاً أن بالداء مثل البلاد الفلسطينية فيها القدس وآثار خطا

السيد المسيح عليه السالم ونورانية النبي محمد صلى الله علي وسلم

وقبور أهل العلم والعقيدة وفيها أيضأ. ء نهر: الأردن المقدس ودارة

الحجيج, وطبريا والناصرة وحيفا وعكا ويافا واللد والرملة« والجليل

وغزة… أن بلاداً فيها كل هذا.. هي عصية على المحو والطي عصية

على الابتلاع!