االعلاقات السورية – الإيرانية ومنعكساتها الإيجابية على المنطقة والقضية الفلسطينية

640

ألقى السفير د. حامد حسن معاون وزير الخارجية والمغتربين اكخاضرة حول (العلاقات السورية الإيرانية ومنعكساتها الإيجابية على المنطقة وعلى القضية الفلسطينية وصلتها بآلية صنع القرار في إيران) على مدرج دار البعث بدمشق.

أشار د. حامد حسن إن الوضع في المنطقة والعالم يعبر اليوم عن تحالفات وانقسامات جديدة وفوضى ودماء تسيل في أكثر من قطر من أقطارها، وعن إعادة رسم أدوار لكثير من الدول فيها. يحاول الغرب اليوم حرف القناعات باتجاهات جديدة تخدم مصالحه بشكل مباشر.. نلاحظ ما قاله زبيغينو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد إدارة كارتر، حيث ركز في دراسة له على استخدام المارد الإسلامي في مواجهة الاتحاد السوفييتي، والجانب الآخر لخطته لخصه بالقول إن الحدود السياسية والجغرافية لدول الشرق الأوسط قد رسمها الفرنسيون والبريطانيون، والولايات المتحدة الأمريكية لها تحفظات عليها، ولا بد من تغييرها، واليوم هم يحاولون تغييرها من خلال الإرهاب والإجرام.

عملت “اسرائيل” على ما ذهب إليه وزير الخارجية الصهيوني في حكومة بن غوريون، موشيه شاريت، عندما قال إنه في نهاية الأمر، فإن السلام مع العرب سيتحقق، واعتبر أن الدولة العربية الثانية التي ستوقع على اتفاقية سلام مع “إسرائيل” ستكون لبنان، وقال أيضاً إن الاستراتيجية الإسرائيلية في التعاطي مع العرب قائمة على شد الأطراف، بمعنى أن يفتعلوا للعرب خلافات خارجية مع الدول المجاورة لهم كإيران وتركيا وإثيوبيا..

أضاف: في إيران كان نظام الشاه عميلاً للأمريكان وحليفاً لـ “إسرائيل”، ولكن الثورة الإسلامية أطاحت به، وحتى قبل انتصار ثورتهم، أسس الوطنيون الإيرانيون علاقات مع الثوار الجزائريين ومع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.. وبعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران أغلقت السفارة “الإسرائيلية” وطرد طاقمها، لتكون مقراً لسفارة فلسطين.

أشار د. حسن الى دعم ابران لحق سورية في استعادة الجولان السوري المحتل ورفض هيمنة القوى الاستعمارية والصهيونية على المنطقة والعالم الإسلامي وعليه فالعلاقات السورية الايرانية ارتكزت على مجموعة من الأسس والمفاهيم:

نظام الشاه كان عميلاً للأمريكيين والغرب ومنفذاً لإرادتهم، وحليفاً موثوقاً لإسرائيل ومعادياً للعرب ويقوم بدور الشرطي في الخليج.
نظرة ايران لقضايا المنطقة وطبيعة الصراع فيها، ورفض الإملاءات الخارجية والتدخلات الأجنبية في شؤونها ورفض الهيمنة الأمريكية الغربية الإسرائيلية على مقدراتها وثرواتها.
القناعة المشتركة بأن إسرائيل تشكل التهديد الأساسي للمنطقة وللعالم الإسلامي ومصدر الأخطر عليهما، وأن القضية الفلسطينية واستعادة الحقوق الفلسطينية المشروعة وتحرير الأراضي العربية المحتلة وبخاصة القدس الشريف.
توفر الفهم المشترك والقناعة بحق شعوب المنطقة ودولها باستثمار واستخدام ثرواتها وخاصة مصادر الطاقة بأنواعها المتعددة بما يتلاءم مع مصالح شعوبها.
رفض اتفاقيات كامب ديفيد في حينه وما مثلته من تهاون واستسلام وتفريط بحقوق الأمة.
التمسك باستقلالية القرار الوطني ورفض المشاريع الاستعمارية بكافة أشكالها.
توفر القناعة لدى قيادتي البلدين بأن تطوير وتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين يخدم مصالح وأهداف الشعبين الصديقين وشعوب المنطقة والأمتين العربية والإسلامية.
العلاقات السورية الإيرانية أسست لمشروع المقاومة في لبنان ودعم المقاومة الفلسطينية كما أسست للفكر والنهج المقاوم في المنطقة وذلك بهدف تحقيق التوازن الاستراتيجي مع العدو الصهيوني، مما حقق انتصارات هامة وصموداً بطولياً للمقاومتين اللبنانية والفلسطينية وخاصة تحرير جنوب لبنان وانتصارات تموز 2006. وتعزيز صمود الفلسطينيين في غزة في وجه العدوان الإسرائيلي، والحروب التي شنتها إسرائيل على غزة 2008 – 2009 وما بعدها، بينما كان الأمريكيون يعملون على تشكيل ما أسموه بمحور الاعتدال المتماهي مع مشروع الشرق الأوسط الجديد.
أثناء الأحداث التي رافقت ما سمي بالربيع العربي كان للبلدين فهم مشترك ونظرة متقاربة حول خطورة هذه الأحداث وارتباطها بالخارج.

في السنوات الأخيرة التي شهدت أساليب ووسائل إرهابية جديدة لضرب شعوب المنطقة ودولها من خلال استخدام الفكر الوهابي التكفيري وأموال البترودولار وتركيز جهود الأجهزة السرية الإسرائيلية والأمريكية والتركية والسعودية والقطرية لتجنيد المرتزقة والمأجورين من كافة أنحاء العالم لقتل شعوبها وتهديم دولها وكياناتها الوطنية، أثبتت هذه العلاقات من جديد قدرتها على مواجهة التحديات والتهديدات التي تستهدف أمن سورية وأمن المنطقة برمتها والعالم بأسره في مواجهة الإرهاب.

إيران ومن خلال معرفتها بالمخاطر التي يمثلها الإرهاب ومشغلوه في المنطقة والعالم ضد الدولة السورية وضد نهجها المقاوم أكدت من جديد على لسان السيد علي الخامنئي مرشد الثورة الإسلامية الإيرانية دعمها ومساندتها للصمود البطولي للشعب السوري وللجيش العربي السوري بقيادة السيد الرئيس بشار الأسد والوقوف إلى جانبها لقناعتها بأن انتصار سورية على الإرهاب هو انتصار لشعوب المنطقة.

العلاقات الثنائية وانطلاقاً من هذه الأسس تعززت في جميع الميادين وأخذت في كثير من الأحيان طابع العلاقات الاستراتيجية المتينة.

تايع د. حسن: كما لاحظنا من خلال الأسس التي ارتكزت عليها العلاقات السورية الإيرانية والأهداف المتوخاة منها فهي تعبير عن مصالح وأهداف وتطلعات شعوب المنطقة، سواء ما يتعلق بتحررها أو استقلالية قراراتها الوطنية، أو ما يتعلق بثرواتها الوطنية، أو ما يتعلق بالقضية الفلسطينية ودعم مشروع المقاومة، أو ما يتعلق بمواجهة الإرهاب والتطرف والفكر التكفيري الذي عمل دائماً على خلق الأعداء للأمتين العربية والإسلامية .

وشدد د. حسن على أن العلاقات السورية الإيرانية حالت دون اتساع رقعة الحرب العراقية الإيرانية لتصبح حرباً عربية إيرانية، وما يحققه ذلك لو حصل في حينه من خدمة مجانية لإسرائيل، كما أسهمت في إفشال مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي كان يحمل للمنطقة الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية وأسست لمشروع المقاومة في فلسطين ولبنان وللنهج المقاوم في المنطقة في مواجهة مشروع الشرق الأوسط الجديد، وعندما تبين فشله حاولوا إنقاذه من خلال مشروع الفوضى الخلاقة وما تعيشه المنطقة اليوم هو مأساة هذه الفوضى الهدامة وغير الخلاقة.

وفي المحور الثالث من المحاضرة والذي يتناول الانعكاسات الإيجابية لهذه العلاقات على القضية الفلسطينية أشار الدكتور حسن إلى أن سورية كانت تاريخياً الحاضنة الأساسية للقضية الفلسطينية، ودعمت نضال الشعب الفلسطيني في وجه الاستعمار البريطاني قبل النكبة، كما أسهمت في دعم نضاله أثناء وبعد النكبة، وفتحت فيما بعد صدرها للاجئين الفلسطينيين (يوجد في سورية 13 مخيماً)، وخاضت حروباً عديدة ضد العدوان والاحتلال الإسرائيلي، كما انطلق الكفاح المسلح الفلسطيني من أرض سورية، وكان لسورية دور رئيسي وهام في دعم منظمة التحرير الفلسطينية واعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني ودعمت المنظمة سياسياً.

وسورية بمواقفها الثابتة حالت ولسنوات طويلة دون فرض الاستسلام لمشروع السلام الأمريكي – “الإسرائيلي” المزعوم على الرغم من أن أربعة أطراف ودول مما يسمى بدول الطوق وقعت اتفاقيات مع إسرائيل. وبالطبع فقد سقط اتفاق 17 أيار مع لبنان مبكراً ولم يصمد طويلاً بفضل جهود سورية والوطنيين اللبنانيين واستمر مشروع المقاومة والممانعة. كما شكلت سورية العمود الفقري لنهج المقاومة والممانعة وبالتعاون مع إيران تم دعم المقاومتين الفلسطينية واللبنانية.

وتابع قائلاً: كان الوطنيون الإيرانيون متعاطفين مع قضية الشعب الفلسطيني منذ النكبة، وقاموا بمظاهرات دعماً للقضية الفلسطينية، وتطوع الآلاف منهم للحرب في فلسطين /5000/ ولكن الشاه لم يسمح لهم بذلك، أما بعد الثورة فكانت الرسالة الأولى للفلسطينيين إغلاق السفارة “الإسرائيلية” وطرد الدبلوماسيين “الإسرائيليين” منها وتحويل المبنى الذي هو ملكها لمبنى السفارة الفلسطينية. وكان المرحوم ياسر عرفات أول مسؤول أجنبي يزور إيران بعد الثورة، فيما خصص الخميني يوم الجمعة الأخير من رمضان لإحياء قضية القدس وأسماه بيوم القدس. وعلى الرغم من أن القيادة الفلسطينية اتخذت في حينه مواقف داعمة لصدام حسين أثناء الحرب العراقية الإيرانية إلا أن سورية استطاعت احتواء الموقف واستمرت العلاقات الفلسطينية الإيرانية.

ونوه د. حسن إلى أن البلدين دعما انتفاضة الشعب الفلسطيني الأولى والثانية، كما دعما المقاومة الفلسطينية وأسر الشهداء الفلسطينيين، ودعيا دائماً إلى التفريق بين المقاومة التي هي حق مشروع ضد الاحتلال وبين الإرهاب الذي تمارسه المجموعات التكفيرية المتطرفة. وشدد على أن الاتجاهات الوهابية والتكفيرية المتطرفة لم تقدم شيئاً للقضية الفلسطينية، بل على العكس استهدفت أصدقاء القضية وداعميها والأمثلة كثيرة (الاتحاد السوفييتي – روسيا الاتحادية – الهند – الصين – نيجيريا)، ومن خلال الإجرام الذي ارتكبته أوجدت المبررات لاتهام المسلمين بالإرهاب ومحاولات إضفاء الصيغة الإرهابية عليهم.

وخلص إلى أن العلاقات السورية الإيرانية دعمت مشروع المقاومة في لبنان وفلسطين ودعمت النهج المقاوم في المنطقة، كما دعمت الحقوق الوطنية المشروعة للشعب العربي الفلسطيني في كافة المجالات العربية والدولية وحافظت على إبقاء القضية حية في ذاكرة الشعوب العربية والإسلامية وفي ذاكرة الرأي العام العالمي.

في المحور الرابع والأخير تحدث د. حامد حسن عن آلية صنع القرار في إيران موضحاً أن معظم الباحثين بالشأن الإيراني يتفقون على أن إيران دولة مؤسسات تقوم كل مؤسسة فيها بممارسة صلاحياتها واختصاصاتها بينما يتبوأ مرشد الثورة الإسلامية موقع رأس الهرم من خلال موقعه الذي يتيح له إمكانية التوجيه والتصويب والإرشاد. كما يتفقون على أن آلية صنع القرار هي آلية معقدة وتبدو أحياناً بطيئة وتمر بمسار طويل حتى يصل القرار إلى مرحلة التنفيذ. ونوه إلى أن هذه الآليات تشكل نوعاً من الضمانة لاستمرار النهج والخيارات التي تحددها وترسمها قيادات البلد، وذلك على الرغم من وجود أطياف محافظة وأطياف واتجاهات إصلاحية وليبرالية أو ذات طابع قومي، إلا أن آلية القرار تحول دون إحداث انعطافات أو تغييرات حادة في التوجهات.

You might also like More from author

Comments are closed.